رَمضَان أيَّامٌ مَعدُودات
إن مواسم الخيرات والبركات ومظانّ الربح والتجارات ليست دائمة ثابتة في كل حال ووقت ، بل إنها فُرص مهيّأة وأحوال مخبّأة في بعض الأزمنة والأيام ، الفائز مَن بلّغه الله إيّاها ففاز بعمارتها وخيرها وبرّها ، والخاسر مَن أضاعها وأهملها ولم يقدرها حق قدرها.
وإنه لحرمان وخُسران أن يُدرك العبد المسلم زمن المغفرة والرحمة ، ثم لا يزال فيه حيران كسلان ، لم يفز بالرضوان والقبول وزَهِد في الثواب الجزيل وتجاهل الرحمة والغفران ، والعتق من النيران .
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ ﴾ [الشورى : 45] .
أيها الإخوة الكرام :
إن رمضان فرصة عظيمة ومنحة جسيمة لزيادة الأعمال ومضاعفة الأجور ورفع الدرجات ، فقبيحٌ بالعقلاء أن يدركوا رمضان فلا يتسابقوا فيه ولا يتنافسوا من أجله ، وقد امتدح الله بعض عباده بمسارعتهم في الخيرات : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباًوَرَهَباًوَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90] ، لأن من زكاة العقل ورشده أن يَعيَ مظانَّ سعادته وسروره وانشراحه ورحمته ونجاته ، ودون العقلاء مَن تمرّ عليه مواسم الخير والرحمة فلا يأبَهْ لها ولا ينشط ، ولا يسارع فيها ولا يبادر ، بل وربما أتلفها بمزيد الخسار والضياع والعصيان .
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ [الكهف : 103-104] .
قبّحَ اللهُ مَن أدركَ رمضان فلم يُغفر له ، ورَغِم أنف مَن أدرك رمضان فلم يجدّ فيه ، ورغم أنف مَن جرح صيامه بالآثام ، وقطع قيامه بالتّواني والأشغال ، واخيبةَ مَن جعل رمضان موسم طعام وشراب وتسابق في الملاهي والشهوات ، إنّ هذا لهو الخُسران المبين ، وإنه لهو الضياعُ الكبير .
يا صائمون :
إن رمضان أيامٌ معدودات قلائل بالنسبة لاثني عشر شهراً ، لكن هذه المعدودات محفوفة بالخيرات وما يُعلي الدرجات في جنّات النعيم ، فهي خير وأبرك من كثير من الشهور والدهور ، لأن فيها ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر ، فأيّ فضل بعد هذا ؟ فلِمَ التقصير والتهاون والتفريط والتكاسل ؟! .
إن هذه الأيام المعدودات تستدعينا للجد والاجتهاد والتزوّد ليوم المعاد ، فإن قُربةً فيه ليس كغيره ، وإن ذِكراً أو صلاةً فيه أعظم من سواه ، وإن صدقة فيه أزكى من غيره من الشهور ، وكل فعل طيب معروف هو في رمضان تجارة رابحة وأضعاف مضاعفة .
إن هذه الأيام المعدودات يتفانى الإنسان في اغتنامها بالطاعات، ويبذل جهده ويستفرغ وسعه في إحيائها بكل برٍّ وخيرٍ وصالحٍ ومعروفٍ ، إن الصالحين تمر عليهم الأيام المعدودات سراعاً لأنهم عمروها وأحيوها بالطاعات وحفظوها ، ومَن عداهم يستثقلونها لأنها لهم فاضحة كاشفة ، فمارعوها حقّ رعايتها ولا بلغوا منها حلاوتها ونفائسها ، بل كان الصيام عليهم جوعاً وتعباً ومشقّةً وضنكاً .
مسكين مِن يستطيل مدة الصيام ويشكو فيه الجوع والعطش ولا يتأمل حُسن عاقبته وعِظم أجره وثوابه ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر : 10] .
وإنّ عجبَنا لا ينقضي من فئام يشحّون بالمال في رمضان ويستثقلون القيام فيه ، ويتلمسون الرخصة والتخفيف بكل حال ، سبحان الله ! ، أين البذل والإحسان وطول القنوت والقرآن ، واللّهج بالذكر والدعوات والمسارعة في الخيرات والقرُبات ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران : 133] .
إن رمضان أيام معدودات ، إن لم تعمرّها الآن فاتتكَ غداً ، وإن أضعتها
في الدنيا ساءتك في الأخرى .
الأيام المعدودات ذكرٌ وصلوات وجود وهبات وصدقات ومسارعة في
الخيرات ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود
الناس ما يكون في
رمضان(البخاري (1902) ، ومسلم (2308) عن ابن عباس .).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اتقوا النار ولو بشق تمرة)
(البخاري (1417) ، ومسلم (1016) عن عدي ابن حاتم .)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة : 183] .
إن الصيام المفروض أيام معدودات ليس بطويل ولا ثقيل ، بل لذّة وحلاوة وسرور ، إن الله تعالى يؤكد لنا أن رمضان أيام قلائل تستحق منها الغاية في الجد والعمل ، والنهاية في المسارعة والمسابقة ، فهو قليل لكن ثوابه جزيل وكبير
(كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) وفي الحديث : (عليك بالصوم فإنه لا عِدْلَ له) (مسند أحمد (5/255) والنسائي (4/165) وعبد الرازق (7899) ) عند أحمد والنسائي وسنده صحيح .
أيها الإخوة الكرام :
إنه لا إرث يبقى لكم ويدوم سوى الأعمال الصالحة ، هي الميراث الحقيقي ، والمال الرابح والكنز الباقي ، هي التي قبوركم وتزيل وحشتكم وتصرف عنكم لأواءَ ذلك اليوم الرهيب الشديد . ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّوَمَاعَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَاوَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداًوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران : 30]
وإذا افتقَرتَ إلى الذخائرِ لَم تجد....ذُخراً يكون كصَالِح الأعمالِ
يا أيها الصائمون :
إن الأيام المعدودات دُرّة ثمينة من دُرر العصر والزمان الذي هو حياة الإنسان وعمره وسعادته وشقاوته ، والذي هو سَرّاؤه
وضرّاؤه وصحتّه وسقمه ، فكيف يُضيعها المسلم ذو اللُّب النبيه ؟ .
إن الوقت كله نعمة جليلة وثروة كبيرة ، وتستدعينا لليقظة والعناية والرشاد ، فكيف وفيه لآلئ الزمن ونفائس الدهر وحلاوة القلب ، نحو شهر رمضان المبارك ؟! .
والوقت أنفَس ما عُنيتَ بحفظهِ....وأراه أَسهلَ ما عليكَ يضيعُ
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس ، الصحّة والفراغ) ( البخاري (6412) .).
لقد مرّ على هذه الحياة أناسٌ هم عقلاء العالم وأفذاذ الكون أدركوا ثمنّية الوقت فضنوا به ، وعرفوا فضله فتنافسوا فيه ، يبكون لانقضائه ويتحسرون لفقده وضياعه ، قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ "ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غَربت شمسهُ ، نقص فيه أجَلي ولم يزِد فيه عملي" .
وقال الحسن البصري رحمه الله : "أدركتُ أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم" .
لقد أحسّ السلف الصلحاء بقيمة الوقت ، فصنعوا في حفظه ورعايته أمثلة مذهلة وأحوالاً مدهشة ، يعدّها الغافلون الجاهلون نوعاً من الأساطير والمبالغات ، لكنها عند العقلاء النابهين حقائق ثابتات وأخبار صحيحات .
فأوقاتهم حيّة بالصالحات لا يُضيعون شيئاً منها ، ولا يقتلونها بكثرة النوم والطعام ، يطلبون الفائدة والخير حال الشغل والمرض ، ويبتغون المعالي ولو حَالت الصعاب وعكّرت الرّزايا والكروب .فذلكم الإمام أبو زكريا النووي ، قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحُفّاظ(تذكرة الحفاظ (4/1470 – 1472) .): "هو الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام علَم الأولياء صاحب التصانيف النافعة ، قال تلميذه ابن العطّار : إنه كان يقرأ كل يوم اثنى عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً ، وقال أيضاً : ذكر لي شيخُنا ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان لا يضيع وقتاً لا في ليل ولا في نهار إلا في الاشتغال بالعلم حتى في الطريق يكرر أو يطالع وأنه دام على هذا ست سنوات ، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق" ، قلت : ـ أي الذهبيّ ـ على ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورعَ والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها . كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعِلَله ، رأساً في المذهب .
وهذا الإمام العلاّمة والحافظ الفهّامة شيخ الإسلام ومفيد الأنام ، صاحب التصانيف الوفيرة والتحقيقات النادرة الذي كان الذكّر هديه وحب العلم دمه وروحه ، بلغ من تعظيمه للوقت ومسارعته فيه ، ما وصل إلينا من تأليفاته العظيمة الكثيرة التي يعجز أُولو العزائم فينا من نسخ شيء يسير منها ، واستطابته للعلم والمطالعة وقت النصَب والسّقم .
نقل ابن القيّم ـ رحمه الله ـ في كتابه "روضة المحبّين" : "وحدّثني شيخنا ابن تيمية قال : ابتدأني مرض فقال لي الطبيب : إنّ مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض . فقلت له : لا أصبر على ذلك ، وأنا أُحاكمك إلى علمِكَ : أليست النفسُ إذا فرحَت وسُرّت قويَت الطبيعة فدفعَت المرض ؟ فقال : بلى ، فقلت له : فإن نفسي تُسرّ بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة ، فقال : هذا خارجٌ عن علاجنا".
رحم الله أئمتنا وعلماءنا ، وجزاهم خير الجزاء ، ونفعنا بسيرهم وآثارهم ، والله الموفق .