{الم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق}
{لوأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: ----
فإن لكتاب الله الكريم منزلة عظمى عند كل مسلم فهو النور المبين الذي يهتدي به وهو الروح الذي يحيا به وهو الصراط المستقيم تكفل الله –تعالى-بحفظه وأخبر أن لو أنزل على الجبال الرواسي لتصدعت قال-تعالى-:(لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله)"سورة الحشر آية:21" وعاتب الله المؤمنين إبان نزول الوحي بقوله:(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق )."سورة الحديد آية 17". وإن رقة القلب ودمعة العين عند قراءة القرآن سمة من سمات السلف-رضوان الله عليهم-وفي هذه الصفحات تذكير بحالهم ورصد لبعض أخبارهم عسى الله أن ينفع بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.
كتبه: عبدالله بن إبراهيم اللحيدان
فضل البكاء عند قراءة القرآن
البكاء عند التلاوة والذكر صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى:"إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا".}سورة الإسراء , الآيات : 107-109{. قال القرطبي –رحمه الله -: " قوله تعالى: "ويخرون للأذقان يبكون" هذه مبالغة في وصفهم ومدح لهم وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري الى هذه المرتبة فيخشع عند استماع القرآن ويخضع ويذل قال وفي الآية دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى أو على معصيته في دين الله وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها ".(زادالميعادللقراطبى) كان عبد الأعلى التيمي يقول : "من أوتي من العلم مالا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء فقال:" إن الذين أوتوا العلم... الى قوله يبكون ويزيدهم خشوعا".([1] المرجع السابق وانظر زاد المسير لابن الجوزي ج5 / 98.) "وإن مايحصل عند الإستماع لآيات الله والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين وإقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة ". ([1] الفتاوى لابن تيمية 22 /522.)
قال تعالى: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء"}سورة الزمر, الآية: 23 {وقال تعالى: "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا"}سورة مريم , الآية:58{.قال القرطبي رحمه الله :"في هذه الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثير في القلوب".([1] أحكام القرآن 11 / 120.)
معنى البكاء وأنواعه
قال الراغب: بكى يبكي بكاء فالبكاء بالمد : سيلان الدمع عن حزن وعويل. * أنواع البكاء: قال ابن القيم –رحمه الله- البكاء أنواع: الأول: بكاء الرحمة والرقة. الثاني: بكاء الخوف والخشية . الثالث:بكاء المحبة والشوق. الرابع:بكاء الفرح والسرور. الخامس:بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم إحتماله. السادس:بكاء الحزن0 والفرق بين بكاء الحزن وبين بكاء الخوف : أن بكاء الحزن يكون على ما مضى وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل والفرق بين بكاء الفرح وبكاء الحزن: أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان ودمعة الحزن حارة والقلب حزين. السابع:بكاء الخوف والضعف. الثامن:بكاء النفاق وهو أن تدمع العين والقلب قاس فيظهر صاحبه الخشوع وهو من أقسى الناس قلبا. التاسع:البكاء المستعار والمستأجر عليه كبكاء النائحة بالأجرة. العاشر:بكاء الموافقة وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون ولكن يراهم يبكون فيبكي. * أنواع التباكي: قال:وما كان منه مستدعى متكلفا فهو التباكي وهو نوعان: 1-تباكي محمود. 2-تباكي مذموم. فالمحمود: أن يستجلب لرقة القلبو لخشية الله لا للرياء والسمعة قال عمررضى الله عنه: للنبي صلى الله عليه وسلم: وقد رآه يبكي هو وأبو بكر في شأن أسرى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول الله؟ لإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال بعض السلف: " ابكوا من خشية الله فإن لم تبكوا فتباكوا". وأما المذموم: فهو أن يجتلب لأجل الخلق .( وكم نرى ونسمع من يتباكى لأجل مصلحة مادية أو لأجل الرياء والسمعة.
هديه ـ صلى الله عليه وسلم في البكاء
*بكاؤه:صلى الله عليه وسلم:
كان بكاؤه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت كما لم يكن ضحكه بقهقهة ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا ويسمع لصدره أزيز وكان بكاؤه تارة رحمة للميت وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها وتارة من خشية الله وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء إشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية.([1] زاد المعاد لابن القيم 1 / 183) قال ابن مسعود ـ رضى الله عنه : قال رسول الله" : ـ صلى الله عليه وسلم ـإقرأ علي :فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال نعم إني أحب أن أسمعه من غيري.فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" فقال حسبك الآن فإذا عيناه تذرفان "([1] رواه البخاري ومسلم.) وبكى صلى الله عليه وسلم لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض ولما مات إبنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وبكى لما مات عثمان بن مظعون وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلاته وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل(المرجع السابق 1/ 183 – 184). وعن ثابت البناني عن مطرف عن أبيه قال :" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل – يعني يبكي" (رواه أحمد والنسائي وأبو داود. والبيهقي في الشعب وصححه الألباني) الأزيز: حنين من الجوف وهو صوت البكاء. والمرجل: بكسر الميم الإناء الذي يغلي فيه الماء سواء كان من حديد أو صفر أو حجارة (سنن النسائي شرح الحافظ السيوطي 3 / 13.). قال في الفتح الرباني :والمعنى أنه يجيش جوفه ويغلي من البكاء من خشية الله تعالى. ( الفتح الرباني 4 / 111) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت" ( صحيح الجامع رقم 3723) وكانت قراءته صلى الله عليه وسلم تصدع القلوب وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه وفي بعض ألفاظه فلما سمعته قرأ "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون"} سورة الطور الآية :35{ كاد قلبي أن يطير قال ابن كثير-رحمه الله- وكان جبير لما سمع هذا لم يزل مشركا على دين قومه وإنما كان قوم في نداء الأسارى بعد بدر وناهيك عن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر فكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب وعن طاووس قال : "أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله" ([1] تفسير ابن كثير ج7 ص482)
البكاءون من السلف الصالح
أولا :الصحابةرضى الله عنهم : وصف حالهم :
صلى علي رضى الله عنه صلاة الفجر فلما سلم إنفتل عن يمينه ثم مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قلب يده فقال:لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أرى أحدا يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثا غبرا صفرا .بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح فأنهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين. ([1] التبصرة لابن الجوزي) وعن عروة بن الزبير قال قلت لجدتي أسماء كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا القرآن ؟ قالت : "تدمع عيونهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله" (شعب الإيمان للبيهقي2 / 365) هذا هو حال الصحابة – رضوان الله عليهم – لم يكن هم أحدهم آخر السورة ولم يكن همه عدد ما يختم من القرآن.
· أبو بكر الصديق رضى الله عنه: · ------------------ روى البخاري بسنده عن عائشة –رضي الله عنها- قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : مروا أبا بكر يصلي بالناس قالت عائشة :قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر يصلي بالناس فقالت عائشة :فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس ففعلت حفصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت حفصة لعائشة ماكنت لأصيب منك خيرا" (فتح الباري 2 / 164) وفي رواية قالت عائشة إنه رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء وفي رواية فقيل له أي للنبيصلى الله عليه وسلم إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. قال الحافظ ابن حجر قوله رقيق أي رقيق القلب وقوله أسيف بوزن فعيل وهو بمعنى فاعل من الأسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب. (فتح الباري 2 / 151, 153 , 165) وروى البيهقي في الشعب بسنده أن أبا بكر ابتنى مسجدا بفناء داره –بمكة- وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يتعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاءا لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن.
· عمر بن الخطاب رضى الله عنه : · ------------------ كان للقرآن موقع عظيم في حياة عمر فقد أسلم رضى الله عنه عندما سمع آيات من سورة طه فكان إسلامه عزا للإسلام والمسلمين وكم سمعنا بأخبار قوته وشدته في دين الله وغيرته على حرمات الله وعن زهده وورعه وعن عدله وتواضعه . أما عن حاله مع القرآن فلا تسأل عنها فقد كان رضى الله عنه وقافا عند آياته بكاءا عند تلاوته سريعا في إستحضارها معظما لشأنها وإليك شيئا مما أثر عنه رضى الله عنه . عن عبدالله بن شداد قال: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ "إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله"}سورة يوسف,الآية:86{وبكى حتى سالت دموعه على ترقوته (شعب الإيمان 2 / 364) قال النووي –رحمه- وفي رواية أنه كان في صلاة العشاء فتدل على تكريره منه. (التبيان في آداب حملة القرآن ص47) وعن هشام ابن الحسين قال: كان عمر بن الخطاب يمر بالآية في ورده فتخيفه(في بعض الروايات فتخنقه)فيبكي حتى يسقط ويلزم بيته اليوم واليومين حتى يعاد ويحسبونه مريضا.( شعب الإيمان 2 / 364) وعن أبي معمر : أن عمر قرأ سورة مريم فسجد ثم قال هذا السجود فأين البكاء ([1] شعب الإيمان 2 / 364) يعني عند قوله تعالى: "خروا سجدا وبكيا". وكان رضى الله عنه يعيش القرآن في كل حركاته وسكناته .مررضى الله عنه بدير راهب فناداه يا راهب فأشرف فجعل عمر ينظر إليه ويبكي فقيل له ياأمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال ذكرت قول الله –عز وجل- في كتابه "عاملة ناصبة تصلى نارا حامية"}سورة الغاشية,الآيتان: 3, 4{فذاك الذي أبكاني . (حلية الأولياء 1 / 327) وكان رضى الله عنه يذكر بالقرآن ويعظ بآياته ويدرك أثرها إذا صدرت بصدق من قائلها ونسوق شاهدا على ذلك هذه القصة التي ساقها ابن كثير في تفسير أول سورة غافر قال –رحمه الله-: كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه ففقده عمر فقال: ما فعل فلان؟ فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب قال فدعا عمر كاتبه فقال اكتب: من عمر بن الخطاب الى فلان بن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضى الله عنه جعله يقرأه ويردده ويقول "غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب "}سورة غافر آية : 3{ قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه وادعوا الله أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوان الشيطان عليه.
· عائشة –رضي الله عنها-: · ------------- عن القاسم قال : كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة –رضي الله عنها- فأسلم عليها فغدوت يوما فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: "فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم"}سورة الطور,آية 27{وتدعوا وتبكي وترددها فقمت حتى مللت القيام فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي-رضي الله عنها-. والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر –رضي الله عنهم-.
· عبدالله بن عباس : · ---------- قال ابن أبي مليكة قرأ ابن عباس "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد"}سورة ق ,آية:19{فجعل يرتل ويكثر في ذلكم النشيج. (حلية الأولياء 1 / 327)
· عبدالله بن عمر : · --------- وعن نافع قالما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"}سورة البقرة,آية:284){صفوت الصفوة1/294) وذكر نافع أيضا أن ابن عمر إذا قرأ:"ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"بكى حتى يغلبه البكاء .( صفوة الصفوة 1 / 294) وقرأ عبدالله بن عمر ويل للمطففين حتى بلغ : "يوم يقوم الناس لرب العالمين "فبكى حتى خر وامتنع عن قراءة مابعدها.( صفوة الصفوة 1 / 294) وعن سمير الرياحي عن أبيه :قال شرب عبدالله بن عمر ماءا مبردا فبكى فاشتد بكاؤه فقيل ما يبكيك؟ فقال ذكرت آية في كتاب الله –عز وجل-:"وحيل بينهم وبين ما يشتهون"}سورة سبأ,آية:54{فعرفتأن أهل النار لا يشتهون شيئا وإن شهوتهم الماء وقد قال الله –عز وجل-:"أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله " (صفوة الصفوة 1 / 295)}سورة الأعراف,آية : 50{. وكان ابن عمر يصلي بالليل فيمر بالآية فيها ذكر الجنة فيقف فيسأل الله الجنة ويدعوا وربما بكى ويمر بالآية فيها ذكر النار فيقف ويتعوذ بالله من النار ويدعوا وربما بكى.(مختصر قيام الليل ص 61)
· أبو موسى الأشعري : · ----------- وكان أبو موسى الأشعري رضى الله عنه إذا قرأ"ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم "}سورة الانفطار,آية:6{قال يعني الجهل ويبكي وإذا قرأ" أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " بكى.
· عبدالرحمن بن عوف : · ----------- أما عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فيحدث عنه ابن عباس –رضي الله عنهما-قال :لم أر رجلا يجد من القشعريرة مايجد عبد الرحمن عند القراءة.(مختصر قيام الليل 62) وعن أبي هريرة رضى الله عنه : قال :لما نزلت :"أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون "}سورة النجم,آية:59{بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم . (رواه البيهقي)
مواقف بعض الصحابة عند تلاوة كتاب الله: وكان من هدي الصحابة رضى الله عنهم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلمفي ترديد آيات الله فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي ذر رضى الله عنه قال:صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها:"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "}سورة المائدة ,آية :18{
فلما أصبح قلت يا رسول الله مازلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال إني سألت ربي سبحانه وتعالى الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا.رواه النسائي وابن ماجة. وقد مر بنا أن عائشة –رضي الله عنها- كانت تردد قوله تعالى:"فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم"}سورة الطور آية 27{. وقام أبو الدرداء رضى الله عنه ليلة بآية حتى أصبح وهي"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا محياهم ومماتهم" } سورة الجاثية ,آية 21 {. وردد ابن مسعود رضى الله عنه "رب زدني علما"}سورة طه,آية:114{.( التبيان للنووي) وعن صفوان بن سليم قال :قام تميم الداري في المسجد بعد أن صلى العشاء فمر بهذه الآية:"تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون " }سورة المؤمنون,آية:104{فما خرج منها حتى سمع آذان الصبح . (صفوة الصفوة 1 / 375) وأتى تميم الداري المقام فاستفتح الجاثية فلما بلغ"أم حسب الذين إجترحوا السيئات " الآية.}سورة الجاثية, آية:21{جعل يرددها حتى أصبح . (مختصر قيام الليل 65) وقام عمرو بن عتبة بن فرقد ليلة فاستفتح حم فأتى على هذه الآية" وأنذرهم يوم الآزفة"}غافر,آية:18{فما جاوزها حتى أصبح.([1] صفة الصفوة 2 / 93)
استحباب ترديد الآيات
وفي كتاب التبيان عقد النووي –رحمه الله- فصلا في استحباب ترديد الآية للتدبر قال:وقد بات جماعة من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها الى الصباح.( التبيان ص 45,46) ولا يقتصر الأمر في الترديد على القرآن فقط بل والدعاء أيضا فقد كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك "( رواه الترمذي وصححه الألباني(صحيح الجامع)).وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أيضا :"اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".متفق عليهوقال صلى الله عليه وسلم :"ألظوا بياذ الجلال والإكرام" أي إلزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.( رياض الصالحين للنووي ص583) وبات أبو الدرداء ليلة يردد في سجوده :"اللهم كما حسنت خَلقِي فحسن خُلُقِي".( شعب الإيمان6 / 365) وورد أن عبد الرحمن بن عوف كان يقول في طوافه:"رب قني شح نفسي" لا يزيد على ذلك.([1] تفسير ابن كثير 6 / 608)
ثانيا: أحوال التابعين وأتباعهم : وللتابعين نصيب من التأثر بالقرآن وكان حالهم معه عجيب جد عجيب وقد ذكرت كتب التفسير والتراجم شيئا من أحوالهم وكانوا يحرصون على البحث عما يجلب لهم الخشوع والتأثر بالقرآن فكان معاوية بن مرة يقول:"من يدلني على رجل بكاء بالليل بسام بالنهار" .( تفسير ابن كثير 6 / 608) ونذكر نماذج مماورد عنهم في البكاء ثم نتبعه بما ورد عنهم في ترديد آيات القرآن.
· عمر بن عبد العزيز(الخليفة الزاهد): · ----------------- قالت فاطمة بنت عبد الملك زوج عمر بن عبد العزيز عن زوجها إنها رأته ذات ليلة قائما يصلي فأتى على هذه الآية"يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش"}سورة القارعة,آية :5{فصاح واسوء صباحاه ثم وثب فسقط فجعل يخور مني فظننت أن نفسه ستخرج ثم إنه هدأ فظننت أنه قضى ثم أفاق إفاقة فنادى واسوء صباحاه ثم وثب فجعل يجول في الدار ويقول:ويلي من يوم يكون فيه الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش قالت فلم يزل كذلك حتى طلع الفجر ثم سقط كأنه ميت حتى أتاه الآذان للصلاة فو الله ما ذكرت ليلته تلك إلا غلبتني عيناي فلم أملك رد عبرتي.( مناقب عمر بن عبد العزيز بن الجوزي.) وقرأ –رحمه الله – ليلة في صلاته سورة الليل فلما بلغ قوله تعالى:"فأنذرتكم نارا تلظى"}سورة الليل,آية : 15{بكى فلم يستطع أن يتجاوزها مرتين أو ثلاثا ثم قرأ سورة أخرى غيرها.([1] المرجع السابق) وقرأ عنده رجل"وإذا القوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا"}الفرقان ,آية:13{فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه فدخل بيته وتفرق الناس.( المرجع السابق) وعن مقاتل بن حبان قال صليت خلف عمر بن عبد العزيز فقرأ"وقفوهم إنهم مسؤولون" }الصافات,آية :24{فجعل يكررها لا يستطيع أن يجاوزها –يعني من البكاء-. ([1] المصدر السابق) وقال –يرحمه الله- يوما لابنه إقرأ قال:ما أقرأ ؟ قال: إقرأ سورة ق فقرأ حتى إذا بلغ"وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد"}ق ,آية:19{بكى ثم قال: إقرأ إقرأ يا بني قال: ما أقرأ؟ قال :إقرأ سورة ق فقرأ حتى إذا بلغ ذكر الموت بكى أيضا بكاءا شديدا يفعل ذلك مرارا. ( المصدر السابق)
· الفضيل بن عياض وابنه علي: · --------------- وكان من توبته –رحمه الله-انه سمع ذات ليلة قارئا يقرأ قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله"}سورة الحديد ,آية :17{فقال بلى وتاب وصار جبلا في العبادة . أما عن قراءته للقرآن . فعن إسحاق بن إبراهيم قال:كانت قراءة الفضيل حزينة شهية بطيئة مترسلة كأنه يخاطب إنسانا وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة يرددها. ( صفة الصفوة 2 / 159) وعن سعد بن زنبور قال:كنا على باب الفضيل بن عياض فاستأذنا عليه فلم يؤّذن لنا فقيل لنا انه لا يخرج إليكم حتى يسمع القرآن وكان معنا رجل مؤذن وكان صيتا فقلنا له اقرأ" ألهاكم التكاثر" }التكاثر,آية:1{ورفع بها صوته فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينه وأنشأ يقول: بلغت الثمانين أو حزتها..... فماذا أؤمل أو أنتظر أتى لي ثمانون من مولدي .... وبعد الثمانين ما ينتظر قال ثم خنقته العبرة وكان معنا علي بن خشرم فأتمه لنا: علتني السنون فأبلينني ..... فرقت عظامي وكل البصر وعن محمد بن ناجية قال: صليت خلف الفضيل فقرأ"الحاقة"في الصبح فلما بلغ قوله تعالى : "خذوه فغلوه"غلبه البكاء فسقط ابنه علي مغشيا عليه.([1] سير أعلام النبلاء 8 / 444) وقال بكر بن عياش : صليت خلف فضيل بن عياض المغرب وابنه علي إلى جانبي فقرأ ألهاكم التكاثر فلما قال" لترون الجحيم "سقط على وجهه مغشيا عليه.( نفس المصدر السابق) وقال أبو سليمان الدارانيكان علي بن الفضيل لا يستطيع أن يقرأ القارعة ولا تقرأ عليه. وروى البيهقي في الشعب قال:كان علي بن الفضيل لا يقدر على قراءة القرآن فقال لأبيه يا أبه ادع الله لعلي أستطيع أن أختم القرآن مرة واحدة وكان سبب وفاته ما حدث به ابراهيم بن بشار قال الآية التي مات فيها علي بن الفضيل في سورة الأنعام"ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد"}سورة الأنعام , آية: 27{قال مع هذا الموضع مات وكنت فيمن صلى عليه –رحمه الله-.([1] سير أعلام النبلاء8 /446)
· ثابت البناني : · -------- قال حماد بن سلمة : قرأ ثابت البناني قوله –تعالى-: "أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا"}سورة الكهف, آية: 37{وهو يصلي صلاة الليل ينتحب ويرددها. (سير أعلام النبلاء5 / 225 والبيهقي في الشعب 2 /366) وكان ثابت –رحمه الله-قد اشتكى عينه فقال له الطبيب:اضمن لي خصلة تبرأ عينك لا تبكي قال ثابت وما خير في عين لا تبكي.(مختصر قيام الليل ص63)
· محمد بن المنكدر: · -------- عن يحي بن الفضل قال : سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذ إستبكى فكثر بكاؤه حتى فزع أهله فسألوه ما الذي ابكاك ؟فاستعجم عليهم فتمادى في البكاء فارسلوا إلى أبي حازم وأخبروه بأمره فجاء أبو حازم فإذا هو يبكي فقال يا أخي ما الذي أبكاك قد روعت أهلك؟فقال إني مرت بي آية من كتاب الله-عز وجل-قال وما هي؟قال قول الله –عز وجل-: "وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون"}سورة الزمر ,آية: 47{قال فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما قال:فقال بعض أهله لأبي حازم جئنا بك لتفرج عنه فزدته.([1] صفة الصفوة 2 / 303,سير أعلام النبلاء 5 / 355)
· أبو حصين الأسدي: · ---------- قال أبو بكر بن عياش :دخلت على أبي حصين الأسدي في مرضه الذي مات فيه فأغمي عليه ثم أفاق فجعل يقول : "وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين"}سورة الزخرف,آية: 86{ثم أغمي عليه ثم أفاق فجعل يرددها فلم يزل على ذلك ([1] سير أعلام النبلاء 5 / 416).
· الربيع بن أبي راشد: · ---------- عن خلف بن حوشب قال :قال الربيع بن أبي راشد اقرأ علي :"يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث"}سورة الحج,آية:5{فقرأتها عليهفبكى ثم قال:والله لولا أن تكون بدعة لسمت أوقال لهمت في الجبال. ( صفة الصفوة 3 / 71)
· زرارة بن أبي أوفى: · ---------- عن بهز بن حكيم قال :صلى بنا زرارة بن أبي أوفى في مسجد بني قشير فقرأ:"فإذا نقر في الناقور"}سورة المدثر , آية: 8{فخر ميتا فحمل إلى داره فكنت فيمن حمله إلى داره.([1] المرجع السابق 3 / 153)
· مالك بن دينار : · -------- عن الحارث بن سعيد قال كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ:"إذا زلزلت الأرض زلزالها"}سورة الزلزلة , آية:1 {فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون حتى إنتهى إلى هذه الآية"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" فجعل مالك والله يبكي ويشهق حتى غشي عليه فحمل بين القوم صريعا.([1] المرجع السابق 3 / 188)
· عبد الواحد بن يزيد: · ---------- وقرأ مضر القارئ –قوله تعالى : "هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون"}سورة الجاثية , آية: 29{فبكى عبد الواحد بن يزيد حتى غشي عليه .
· يحي بن سعيد القطان: · ----------- قال الذهبي : قال عبد الرحمن بن عمر :سمعت علي بن عبد الله يقول:كنا عند يحي بن سعيد القطان فلما خرج من المسجد خرجنا معه فلما صار بباب داره وقف ووقفنا معه فانتهى إليه الروبي فقال يحي لما رآه:ادخلوا فدخلنا فقال للروبي اقرأ فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحي لم يتغير حتى بلغ"إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين"}سورة الدخان , آية: 40{صعق يحي وغشي عليه وارتفع صوته وكان باب قريب منه فانقلب فأصاب الباب فقار ظهره وسال الدم فصرخ النساء وخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول "إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين" فمازالت فيه تلك القرحة حتى مات. قال الإمام أحمد:قريء القرآن على يحي بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحي بن سعيد فما رأيت أعقل منه.
أحوال بعض السلف الصالح رضوانالله عليهم أجمعين
ونختم الحديث بما كان عليه السلف من كثرة الترديد لآيات القرآن. قال القاسم بن معين :قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية "بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر"}سورة القمر , آية: 46 {يرددها ويبكي ويتضرع. وظل رحمه الله –في قيامه بعد العشاء- يردد قوله تعالى:"فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم" }سورة الطور , آية: 27 {إلى الصبح. وقال أبو سليمان الداراني :ما رأيت أحدا الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن صالح قام ليلة فقرأ "عم يتساءلون "فغشي عليه فلم يختمها حتى طلع الفجر.([1] حلية الأولياء 7 / 328 , مختصر قيام الليل 65) وعن محمد بن أبي الفتح الحنبلي قال: كنت ليلة في أواخر الليل بجامع دمشق والشيخ-يعني النووي- واقف الى سارية في ظلمة ويردد قوله تعالى:"وقفوهم إنهم مسئولون"} سورة الصافات , آية : 24 {مرارا بخوف وخشوع حتى حصل عندي من ذلك أمر عظيم – قال الذهبي :نقل السمعاني أن فقيها سمع أسعد الميهني يلطم وجهه ويقول :يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وبكى وردد الآية. ([1] سير أعلام النبلاء 16 / 643) وكان هارون بن رياب الأسيدي يقوم من الليل للتهجد فربما ردد هذه الآية حتى يصبح "فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين "}سورة الأنعام , آية : 27 {ويبكي حتى يصبح. ( مختصر قيام الليل ص 64) وعن معمر قال :صلى إلى جنبي سليمان التميمي بعد العشاء الآخرة وسمعته يقرأ: " تبارك الذي بيده الملك "}سورة الملك , آية :1{قال فلما أتى على هذه الآية"فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا "فجعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا قال فخرجت وتركته قال وغدوت لآذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه قال :فسمعته فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول " فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ". ( حلية الأولياء 3 / 29 صفة الصفوة 3 / 201) وكان محمد بن كعب القرظييقول لأن أقرأ في ليلة حتى أصبح"إذا زلزلت الأرض زلزالها"}الزلزلة , آية: 1 {والقارعة لا أزيد عليها ولا أتردد فيها و اتفكر أحب إلي من هَذ القرآن هذا ً أو نثره نثرا ً. (حلية الأولياء 3 / 214 صفة الصفوة 2 / 93) وكان سعيد بن جبير – رحمه الله –يكثر من ترديد آيات القرآن في قيامه قال يحي بن عبد الرحمن سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية"وامتازوا اليوم أيها المجرمون "} سورة يس ,آية : 59{ حتى يصبح.( صفة الصفوة 3 / 50) وقام ليلة يصلي فقرأ" واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" }سورة البقرة , آية :281{فرددها بضعا وعشرين مرة وردد أيضا وهو يؤمهم في رمضان "فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون "} سورة غافر , آية :71{ رددها مرارا وردد أيضا "ما غرك بربك الكريم" }سورة غافر , آية : 71 {.(تصر قيام الليل ص 64 , صفة الصفوة 3 / 94) وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى :"لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل "} سورة الزمر , آية :16{رددها إلى السحر.( [1] التبيان في آداب حملة القرآن 46 – 47) وردد الحسن ليلة"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " } سورة إبراهيم , آية : 34{حتى أصبح فقيل له في ذلك أن فيها معتبرا ما نرفع طرفا ولا نرده إلا وقع على نعمة ومالا نعلمه من نعم الله أكثر.( مختصر قيام الليل 64) وعن نسير قال : بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية"أم حسب الذين إجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء"} سورة الجاثية , آية : 21{فمكث ليلة حتى أصبح ما يجاوز هذه الآية الى غيرها ببكاء شديد.([1] صفة الصفوة 3 / 39) وكان جعفر بن حربيتقلد كبار الأعمال للسلطان وكانت وظيفته تقارب وظيفة الوزارة فاجتاز يوما راكبا في موكب له عظيم فسمع رجلا يقرأ"ألأم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق" } سورة الحديد , آية : 17 {فصاح اللهم بلى يكررها ثم بكى ثم تاب ورد المظالم التي كانت عليه وانقطع الى العلم والعبادة حتى مات. ( المرجع السابق 2 / 302) وكان علماء السلف يدركون أثر القرآن ولذلك يعظون ويذكرون بآياته ويكون لها موقع عظيم في نفوس الخلق وقد تقدمت قصة عمر وصاحب الشراب قال الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله-من لم يتعظ بالقرآن فلا اتعظ. قال الذهبي : بلغنا أن فخر الرازي وعظ مرة عند أبي المظفر محمد بن سام فقال يا سلطان العالم لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي يبقى وان مردنا الى الله وان المسرفين هم أصحاب النار قال فانتحب السلطان بالبكاء. ([1] سير أعلام النبلاء 21 / 322) وكان للمنذر بن سعيد الأندلسي(قال الذهبي كاان فقيها محققا وخطيبا بليغا مفوها) نصيب من هذا فلقد قحط الناس في آخر مدة الناصر فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز الى الاستسقاء بالناس فصام أياما وتأهب واجتمع الخلق في مصلى الربض وصعد الناصر في أعلى القصر ليشاهد الجمع فأبطأ منذر ثم خرج راجلا متخشعا وقام ليخطب فلما رأى الحال بكى ونشج وافتتح خطبته بأن قال سلام عليكم ثم سكت شبه الحسير ولم يكن من عادته فنظر الناس بعضهم الى بعض لا يدرون ما عراه ثم اندفع فقال :"فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة "} سورة الأنعام , آية : 54{الآية استغفروا ربكم وتوبوا إليه وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه فضج الناس بالبكاء وجأروا بالدعاء والتضرع وخطب فأبلغ فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم . واستسقى مرة فقال يهتف بالخلق"يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله "} سورة فاطر, آية : 15 { الآيتين فهيج الخلق على البكاء .( سير أعلام النبلاء 16 / 176)
وللنساء دور
وأخيرا فإن للنساء نصيبا من البكاء عند تلاوة القرآن ومن ترديد آياته وتدبرها. فمن ذلك ما ورد عن أم عمار بنت مليك قالت :بت ليلة عند منيفة ابنة أبي طارق فما زادت على هذه الآية ترددها وتبكي "وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي الى صراط مستقيم" } سورة آل عمران , آية : 101 { ([1] صفة الصفوة 4 / 57) .
الغشي والصيحات عند سماع الآيات
أنكر بعض العلماء ما يحدث من الصعق والصياح والغشي عند سماع الآيات وذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى:"الله أنزل أحسن الحديث كتابا متشابها" } سورة الزمر , آية : 23 {أن ابن عمر مر برجل من أهل القرآن ساقطا فقال ما بال هذا ؟ قالوا:إنه قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط فقال ابن عمر إنا لنخشى الله وما نسقط ثم قال :إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ما كان هذا صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال النووي :كان أحمد بن أبي الحواري وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم بن جنيد –رحمه الله- إذا قرئ عليه القرآن يصيح ويصعق قال ابن أبي داود وكان القاسم بن عثمان الجوني –رحمه- ينكر على ابن الحواري ....قال وكذلك أنكره أبو الجوزاء وقيس بن جبير وغيرهم قلت –أي النووي- والصواب عدم الإنكار إلا من عرف أنه يفعله تصنعا والله أعلم . وقال ابن تيمية –رحمه الله-:وما يحصل عند السماع والذكر المشروع من وجل القلب ودمع العين واقشعرار الجسوم فهذا أفضل الأحوال التي نطق بها الكتاب والسنة أما الإضطراب الشديد والغشي والموت والصيحات فهذا إن كان صاحبه مغلوبا عليه لم يلم عليه كما قد يكون في التابعين ومن بعدهم فإن منشأه قوة الوارد على القلب مع ضعف القلب والقوة والتمكن أفضل كما هو حال النبي صلى الله عليه وسلموأصحابه. وقال أيضا والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إن كان مغلوبا عليه لم ينكر عليه وإن كان حال الثابت أكمل ولهذا لما سئل الامام أحمد عن هذا قال:قرئ القرآن على يحي بن سعيد القطان فغشي عليه ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحي بن سعيد فما رأيت أعقل منه ونحو هذا. وقال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله-: "والأصوات التي تسمع أحيانا من بعض الناس هي بغير إختيارهم فيما يظهر وقد قال العلماء –رحمهم الله-:إن الانسان إذا بكى من خشية الله فإن صلاته لا تبطل ولو بان من ذلك حرفان فأكثر لأن هذا أمر لا يمكن لإنسان أن يتحكم فيه ولا يمكن أن نقول للناس لا تخشعوا في الصلاة ولا تبكوا".
الخاتمة
وأخيرا أخي المسلم تذكر حالك وأنت تقرأ القرآن أو تستمع إليه واعرض نفسك على حال سلفنا الصالح وكيف كانوا يعيشون مع القرآن وتذكر أن "هذا القرآن يعطيك بمقدار ما تعطيه ويتفتح عليك في كل مرة بإشعاعات و إشراقات و إيحاءات بقدر ما تفتح له نفسك"
قال الإمام الغزالي : البكاء مستحب مع قراءة القرآن وعندها وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن وبكاء فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..