
الحمد لله القائل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ )
والصلاة والسلام على خير المرسلين القائل (لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ) صحيح الجامع
تعلمون ما للابتسامة وحسن الخلق وبشاشة الوجه من تأليف القلوب قال صلى الله عليه وسلم( أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ) رواه مسلم والقائل ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ) رواه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان
وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال( ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ) رواه البخاري .
ويقول محمد قطب( لا يكفي المال وحدة لتأليف القلوب ولا تكفي التنظيمات الاقتصادية والأوضاع المادية ، لابد أن يشملها ويغلفها ذلك الروح الشفيف ألا وهو الحب الذي يطلق البسمة من القلوب فينشرح لها الصدر وتنفرج القسمات فيلقي الإنسان أخاه بوجه طليق )
يقول ابن القيم في أهمية البشاشة( إن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ ، ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب فليس الثقلاء بخواص الأولياء ، وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك ، وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفا ، فترى الصادق فيها من أحب الناس وألطفهم وقد زالت عنه ثقالة النفس وكدورة الطبع )
ويقول الإمام ابن عيينه( البشاشة مصيدة المودة ، والبر شيء هين : وجه طليق وكلام لين )
ضوابط المزاح ( عبدالملك القاسم )
1 - ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين : فإن ذلك من نواقض الإسلام قال تعالى( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَتَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)
قال ابن تيمية رحمه الله( الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفريكفر به صاحبه بعد إيمانه (وكذلك الإستهزاء ببعض السنن، ومما انتشر كالإستهزاء باللحية أو الحجاب، أوبتقصير الثوب أو غيرها.
قال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله في المجموع الثمين( فجانب الربوبية والرسالة والوحي والدين جانب محترم لا يجوز لأحد أن يعبث فيه لا بإستهزاء،ولا بإضحاك، ولا بسخرية، فإن فعل فإنه كافر، لأنه يدل على استهانته بالله عز وجل ورسله و كتبه وشرعه )
2 - ألا يكون المزاح إلا صدقاً :( ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له )رواه أبو داود
3 - عدم الترويع : خاصة ممن لديهم نشاط وقوة أو بأيديهم سلاح أو قطعة حديد ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلما ) ابو داود
4 - الإستهزاء والغمز و اللمز: الناس مراتب في مداركهم وعقولهم وتتفاوت شخصياتهم، وبعض ضعاف النفوس - أهل الإستهزاء والغمز واللمز - قد يجدون شخصاً يكون لهم سلماً للإضحاك والتندر والعياذ بالله وقد نهى الله عز وجل عن ذلك فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ )
قال ابن كثير في تفسيره: ( المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والإستهزاء بهم، وهذا حرام، ويعد من صفات المنافقين )
والبعض يستهزىء بالخلقة أو بالمشية أو المركب ويخشى على المستهزىء أن يجازيه الله عز وجل بسبب استهزائه قال{ لا تظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك } رواه الترمذي
وحذر من السخرية والإيذاء؛ لأن ذلك طريق العداوة والبغضاء قال{ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب إمرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؟ دمه، وماله، وعرضه } رواه مسلم
5 - أن لا يكون المزاح كثيراً: فإن البعض يغلب عليهم هذا الأمر ويصبح ديدناً لهم، وهذا عكس الجد الذي هو منسمات المؤمنين، والمزاح فسحة ورخصة لاستمرار الجد والنشاط والترويح عن النفس.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:( اتقوا المزاح، فإنه حمقة تورث الضغينة )
قال الإمام النووي رحمه الله:( المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداومعليه، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب )
6 - معرفة مقدار الناس: فإن البعض يمزح مع الكل بدون اعتبار، فللعالم حق، وللكبير تقديره، وللشيخ توقيره، ولهذا يجب معرفة شخصية المقابل فلا يمازح السفيه ولا الأحمق ولا من لايعرف . وفي هذا الموضوع
قال عمر بن عبد العزيز( اتقو المزاح، فإنه يذهب المروءة )
وقال سعد بن أبي وقاص( اقتصر في مزاحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرىءعليك السفهاء )
7 - أن يكون المزاح بمقدار الملح للطعام: قال صلى الله عليه وسلم( لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ) صحيح الجامع
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به،ومن أكثر من شيء عرف به )
8 - ألا يكون فيه غيبة: وهذا مرض خبيث، ويزين لدى البعض إنه يحكى ويقال بطريقة المزاح، وإلا فهو داخل فيحديث النبي صلى الله عليه وسلم( ذكرك أخاك بما يكره ( رواه مسلم
فتاوى
س : ما حكم قول المسلم لأخيه : يا غبي يا خبل وأمثالها ، وما حكم قوله لجماعة من الناس : يا ضعفاء الإيمان وإذا كانت هذه الأقوال تنطبق عليهم؟
ج : المشروع للمؤمن أن يخاطب إخوانه المسلمين بالألفاظ الحسنة وأسمائهم التي سموا بها ، ثم ينصحهم في ما ينتقده عليهم بالأسلوب الحسن ، لأن ذلك أقرب إلى قبول النصيحة وبقاء الأخوة الإيمانية لقول الله سبحانه : ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) والولي ضد العدو ، ومن صفات الولي أن يخاطب أخاه بما يسره لا بما يكره ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( البر حسن الخلق )أخرجه مسلم في صحيحة . وقال أيضا عليه الصلاة والسلام :
( إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق ) أخرجه أبو يعلى وصححه الحاكم .
س : موجه للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما حكم الضحك في الصلاة وهو يعلم أنه يبطلها أولا يعلم؟
ج: الضحك في الصلاة لا يجوز، سواء علم أن الضحك يبطل الصلاة أم لا، وهو يبطلها إجماعاً .
س : سؤل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن حكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة..؟
ج : إن قصد بها معناها تودداً وتقرباً منهم فقد قال الله تعالى( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) فكل كلمات التلطف التي يُقصد بها الموادة لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحداً من الكفار
أخيراً .. قال صلى الله عليه وسلم(لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) قال في فتح الباري ( المراد بالعلم هنا ما يتعلق بعظمةالله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت وفي القبر ويوم القيامة )
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما ( هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون ..؟ قال : نعم ، والإيمان في قلوبهم مثل الجبال)فعليك بأمثال هؤلاء، فرسان النهار، رهبان الليل
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وارنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .. اللهم فقهنا في الدين .. اللهم آمين
والله تعالى أعلم وأجل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خير المرسلين