هو الإمام شمس الدين أبو عبد الله بن أبي بكر بن أيوب .. إمام عظيم مشهور محقق له تصانيف كثيرة مفيدة منها إعلام الموقعين .. زاد المعاد 0 الصواعق المرسلة – إغاثة اللهفان . تأثر بشيخه ابن تيميه وهداه الله على يديه إلى مذهب أهل السنة والجماعة كما ذكر ذلك في الكافية الشافية المعروفة بالنونية . كان ذا تقوى وصلاح وحكمةٍ وورع دقيق الاستنباط من القرآن والسنة ومناقبه كثيرة .
توفي رحمه الله سنة ( 751هـ ) عفى الله عنه وعن شيخه وجمعنا وإياهم في دار الأبرار .
) رحمه الله تعالى : « قال الإمام أحمد : وقد جاء في الحديث
« لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة »
- وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الأفاق.. إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة . قال : فكل مستخفٍ بالصلاة مستهين بها ، فهو مُستخف بالإسلام مستهين به ، وإنما حظهم في الإسلام على قدر حظهم في الصلاة ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة ..
يقول الإمام أحمد : فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله " غداً " ولا قدر للإسلام عندك فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك . وقد جاء الحديث عن النبي
r أنه قال : " الصلاة عمود الدين " ألست تعلم أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع
بالطنب والأوتاد .. وكذلك الصلاة في الإسلام . وجاء الحديث أن أول ما يسئل عنه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة ، فإن تُقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن رُدت عليه صلاته رُدَّ عليه سائر عمله . فصلاتنا آخر ديننا ، وهي أول ما نسأل عنه غداً من أعمالنا يوم القيامة ، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام " هذا كله كلام ُ أحمد .
والصلاة أول فروض الإسلام وهي آخر ما يذهبُ منه فهي أول الإسلام وآخره فإذا ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه . قال الإمام أحمد : كل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه " ( كتاب الصلاة : لابن القيم رحمه الله تعالى باختصار وتصرف قليل . ) انتهى .
هذا كلام الإمامين رحمهما الله تعالى في مكانة الصلاة وعظم هذه الأمانة ولو انتقلنا إلى الواقع الآن لوجدنا ما يُفتت الأكباد ويعصر القلوب عصراً أن لا نرى من يقيم لهذه الفريضة وزناً . ولا نرى من يصلي إلا النزر القليل من هذا الغثاء كغثاء السيل فهذه فريضة رب العالمين طمع عنها طُماع الدنيا وتخلى عنها من أعرض عن ذكر ربه وتخلى .. ولا حول ولا قوة إلا بالملك الأعلى .. نسأل الله الإعانة لما نحن بصدده من بحث وتفتيش عن حكم جلسات الصلاة وحكمِها لنحقق الإتباع فيها للقدوة العظمى والأسوة الحسنى نبينا محمد r تسليماً كثيرا كما قال ربنا جلَّ وعلا:)لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ] (الأحزاب ، الآية (21) . ) وقد جعلت في هذا البحث كلُ جلسةٍ على حده (قسمت البحث إلى أربعة فصول وخاتمة وتحت كل فصل وضعت فيه أقسام للمسائل . ) لنفصل فيها أحكامها وما يتعلق بموضوعها من أدلة ووصف وبيان لمواضعها في الصلاة ومسائلها وترجيح اختلاف الأئمة فيها وأقوالهم رحمهم الله جميعاً .
والله أسأل التوفيق والتسديد والإعانة إنه نعم المعين والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
الصواعق المرسلة – إغاثة اللهفان . تأثر بشيخه ابن تيميه وهداه الله على يديه إلى مذهب أهل السنة والجماعة كما ذكر ذلك في الكافية الشافية المعروفة بالنونية . كان ذا تقوى وصلاح وحكمةٍ وورع دقيق الاستنباط من القرآن والسنة ومناقبه كثيرة .
توفي رحمه الله سنة ( 751هـ ) عفى الله عنه وعن شيخه وجمعنا وإياهم في دار الأبرار .
الفصل الأول :
1- التــــورك
أ- صفة التورك وهيئته :
التورك هو جلوس له صفتان صحيحتان (أشار الشوكاني في نيل الأوطار إلى ذلك غير أنه جعل صفة جلوس التشهد الأخير ثلاثة صفات هي الصفتان الواردتان في هذا البحث والصفة الثالثة هي نصب اليمنى وفرش اليسرى . ) نذكرهما وأدلتهما كالتالي :
الصفة الأولى : أ) فرش الرجل اليسرى
ب ) إخراجها تحت ساق الرجل اليمنى الذي تحت الفخذ الأيمن .
ج ) إلزاق المقعدة على الأرض .
د ) نصب القدم اليمنى وجعل أصابعها باتجاه القبلة .
دليلها : ورد في صحيح البخاري من حديث أبي حميد الساعدي t في صفة صلاته r : " وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته " وفي رواية النسائي ، قال : " كان النبي r إذا كان في الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً ثم سلم " حديث صحيح وكذلك استقبال القبلة بأطراف أصابع القدم سنة . (بوب النسائي باباً بذلك وهو " باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد . )
لما روى النسائي من حديث ابن عمر قال : " إن من السنة في الصلاة : أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى " .
واعلم أنه ورد عنه r في حديث صحيح أنه فرش قدمه اليمنى . (الحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير " كان r إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه .. وفرش قدمه اليمنى ) قال النووي رحمه الله على شرح صحيح مسلم ( قوله : فرش قدمه اليمنى مشكل لأن السنة في القدم اليمنى أن تكون منصوبة باتفاق العلماء رحمهم الله ؟ ) . ثم ساق الأقوال في إجابة الأشكال ورجح آخر الكلام أنه r فعل ذلك لبيان جواز الحالتين وهما نصب القدم اليمنى وفرشها .
الصفة الثانية : مثل الصفة الأولى إلا أنه يجعل رجله اليسرى بين ساق رجله اليمنى وبين فخذها .
الدليل : حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم رحمه الله تعالى : " كان رسول الله r إذا قعد في صلاته جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى .
ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه "
قال الشوكاني بعد أن أورد هذه الهيئة ما نصه : " واختار هذه الهيئة أبو القاسم الخرقي ( وهو حنبلي ألف مختصراً في فقه الإمام أحمد وشرحه ابن قدامه بشرحه المشهور " المغني " ) في مصنفه ولعله r يفعل هذه تارة ) نيل الأوطار . )
ب) حُكمه الشرعي :
التورك سنة صحيحة واردة عنه r بوب البخاري بهذا الحكم باباً اسماه " سنة الجلوس في التشهد " ثم أورد فيه حديث أبي حميد الساعدي في صفة التورك.
فيجب على سبيل الأولى والأحرى فعل هذه السنة وأن نعض عليها بالنواجذ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " وأن لا يأخذ يبعضنا الحياء مجراه فيستحي من تطبيق سنة صحيحة فيها أجر عظيم . ولكن ينبغي مع ذلك أن نعرف متى نطبق هذه السنة وفي أي موضع من الصلاة وما السنن المرتبطة بها فنتعلم العلم أولاً ثم نعمل به ونطبقه ولا يأخذ بنا الحماس " عن حسن نية" فنعاتب من ترك تلك السنة ونهجره ولا نضيق بها على المصلين ونزعجهم ونكون سبباً في طرد الخشوع عنهم ، فمتى وجدنا أن الأمر متاحاً لنا والمكان واسع ممكن لتطبيق هذه السنة طبقناها ومتى وجدناه ضيقاً تركناها فلا نفعل ما لا يجوز من إيذاء المسلمين بفعل سنة .
ثم إليك أخي هذه المباحث الأخر في شأن هذه السنة المباركة .
ج ) موضع التورك من الصلاة :
عند كلام العلماء حول التورك يوردون أن التورك له موضع واحد لكن بعضهم يجعل له موضعين وسوف نورد هذه المواضع مع قبول الصحيح ورد القول الضعيف مع مناقشة أدلة الفريقين ومن تكن السنة والقرآن عُدته فقد خاب من ردهُ :-
فأما الموضع الأول : في التشهد الأخير من الصلاة ( سوف نبحث في هل كل تشهد أخير يُتورك فيه أم هو في الصلاة الرباعية والثلاثية فقط . )وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي ومالك للأحاديث الصحيحة الواردة منها :
1- حديث أبي حميد الساعدي : المتقدم وفيه قال : " وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته " رواه البخاري .
2- حديث ابن الزبير : المتقدم وفيه قال t : " كان r إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى .. " الحديث رواه مسلم .
وقد ذهب الإمام أبو حنيفة والثوري إلى أن هيئة الجلوس في التشهد الأخير هو نصبُ اليمنى وفرش اليسرى وخالفوا الجمهور واستدلوا بأحاديث منها :
1- حديث وائل بن حجر : " أنه رأى النبي r يصلي فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى " رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح .
2- حديث عائشة : كان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى " رواه مسلم .
3- حديث رفاعة بن رافع : " أن النبي r قال للأعرابي إذا سجدت فمكن لسجودك فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى " رواه أحمد وأبو داود ولا مطعن في إسناده.
ووجه الاستدلال بها : أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه بالأول فدخل ضمن ذلك التشهد الثاني .
قال المستدلون بهذه الأحاديث : " ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد الأخير ولم يهملوه لاسيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله r وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة فعلم بهذا أن هذه الهيئة ( الفرش والنصب ) شاملة لهما" .
الرأي الراجح: هو قول الجمهور أن هيئة الجلوس المشروعة في التشهد الأخير هو التورك وأجابوا عن أدلة المخالفين بما يلي :
1- أن عدم ذكرهم لصفة التشهد الأخير ليس إهمالاً وإنما اقتصروا من ذلك على ما تدعو الحاجة إليه .
2- أن في حديث عائشة إطلاق ويقيد بأنه التشهد الأول بحديث أبي حميد الساعدي في البخاري . (قال النووي في شرح مسلم : " قال الشافعي : والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو أحدهما وقد بينه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول والتورك في الأخير . وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم " . )
قول الشوكاني : لقد ناقش الشوكاني أجوبة الجمهور وقرر في الأخير رأيه فقال رحمه الله : " مشروعية التورك في التشهد الأخير آكد من مشروعية النصب والفرش وأما أنه ينفي مشروعية النصب والفرش فلا " . انتهى .
فذهب رحمه الله إلى أن كلاهما مشروع غير أن التورك آكد مشروعية .
كلام الإمام ابن رشد (هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي ولد سنة 520هـ وتوفي سنة 595هـ فيلسوف جمع بين الفلسفة والفقه واتهم بالزندقة لفلسفته من أهم كتبه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " في الخلاف بين العلماء وأدلة بعضهم ومواضع ذلك وسبب الاختلاف والترجيح في أحيان . ) : قال في البداية : " وذهب في ذلك الطبري منهم التخيير .. وقال هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله r : وهو قول حسن فإن الأفعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على التعارض " انتهى .
وأما الموضع الثاني : أنه في التشهد الأول أيضاً وهو قول مالك رحمه الله تعالى ولم يقل غيره به . مستدلاً بحديث عبد الله بن مسعود t .
دليل هذا الوضع : عن عبد الله بن مسعود t : " أن النبي r كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً " قال الهيثمي رواه أحمد ورجاله موثقون .
وأما سواه من العلماء فعلى خلافه كالشافعي والإمام أحمد والثوري وأبو حنيفة مستدلين بأحاديث منها :
1- حديث أبي حميد الساعدي .
2- حيث ابن الزبير . وفيها وصفوا الافتراش في التشهد الأول وهذه أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم .
الرأي الراجح : هو قول جمهور العلماء لأن حديث ابن مسعود لا ندري ما حاله من الصحة
وقال المباركفوري : " أنه غير واضح في الدليل على ما ذهبوا إليه " (قاله في كتابه " تحفة الأحوذي " . والحديث عن أحمد بلفظ : " فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليُسرى " . ) .
ولا ريب أن الأحاديث الأخرى أصح وأولى بالتقديم من حديث ابن مسعود .
وقال الإمام ابن القيم : " لم يذكر عنه r التورك إلا في التشهد الأخير" .
د) الصلاة التي يشرعُ فيها التورك :
نقول : ها هنا مسألة مشهورة لا بد من إيرادها ومعرفة الدليل فيها ورأي العلمـــــــــاء الراجح من المرجوح وهي : هل التورك في التشهد الأخير في الصلاة الرباعية (الرباعية : أي كل صلاة تتكون من أربع ركعات كالعشاء والظهر والعصر . ) والثلاثية (الثلاثية : أي الصلاة المكونة من ثلاث ركعات كالمغرب . ) فقط أم أنه كذلك في تشهد الصلاة الثنائية (الثنائية : الصلاة المكونة من ركعتين . ) كالفجر والجمعة والسنن الرواتب وغيرها .
نقول في تفصيل المسألة : أن للعلماء قولان :
(1) القول الأول : ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى ووافقه عليه محمد بن ناصر الدين الألباني من علماء العصر والإمام ابن القيم في الزاد : " أن التورك في الصلاة التي فيها تشهدين يتورك في التشهد الثاني " أي أن المصلي لا يتورك في تشهد صلاة الفجر ولا صلاة الجمعة كذلك لأن فيها تشهد واحد فلا يتورك إلا في التشهد الأخير من الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء أو الثلاثية كالمغرب .
واستدلوا بأحاديث منها :
1- حديث أبي حميد الساعدي : فإنه ذكر التشهد الأخير فذكر فيه التورك وفي الحديث أيضاً ذكر التشهد الأول والشاهد من الحديث : " وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله ... " الحديث .
فهذا دليل على أن التورك في التشهد الثاني من الصلاة وأما إذا لم يكن للصلاة إلا تشهد واحد فقط فيعمل بالأحاديث الواردة بأن السنة فيه الافتراش ونصب القدم اليمنى ومن هذه الأحاديث :
2- حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : " وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى " رواه الإمام مسلم في صحيحه .
فهي لـمَّا لم تذكرْ التورك علمنا أنها تقصد التشهد الأول لأن هذه صفته فكأنها وصفت جلوسه في الثنائية .
3- حديث وائل بن حجر t : " إنه رأى النبي r يصلي فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى ". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح
واحتجوا رحمهم الله تعالى بغير ذلك ستأتي إن شاء الله في سياق أقوال أهل العلم.
القول الآخر : أن التورك في التشهد الذي يليه السلام سواءً كانت الصلاة ثنائية كالفجر ، وصلاة الجمعة ، وصلاة المسافر إذا قصر ، والسنن الراتبة فيتورك في كل تشهد يعقبه السلام من الصلاة .
ذهب إلى هذا الرأي الإمام الشافعي وأصحابه ، والإمام ابن حزمٍ رحمه الله والإمام الشوكاني إلى هذا القول أيضاً .
وقد استدل من ذهب إلى هذا الرأي بالأحاديث التالية :
1- حديث أبي حميدٍ الساعدي : ففي رواية أبي داود لهذا الحديث قال t : " حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم آخر رجلهُ اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر" .
والشاهد منه : عموم قوله : " حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم " أي في عقبها التسليم .
استدل به الشافعي على أن تشهد الصبح ( أي صلاة الفجر ) كالتشهد الأخير من غيره .
2- الرواية الأخرى لحديث أبي حميد : والشاهد منه قوله t " فإذا جلس في الركعة الأخيرة " استفاد المحتجون به عموم قوله ( الركعة الأخيرة ) .
مناقشة الأدلة : لا ريب أن المناقش يحتاج إلى باع في العلم ومراجع كثيرة ولـمّا لم يوجد من ذلك شيء أحلت مناقشة أدلة الفريقين إلى أنفسهم فسأذكر أقوال أهل العلم ممن ذهب إلى الرأي الأول وفيه يناقشون أدلة أهل الرأي الثاني وكذلك أذكر أدلة وأقوال أهل العلم أصحاب الرأي الثانية واحتجاجهم ومناقشتهم للرأي الأول .
أقوال أهل العلم :
1- أصحاب الرأي الأول:
أ) قال الإمام أبي محمد عبد الله بن قدامة المتوفي سنة عشرين وستمائة للهجرة في كتابه ( المغني) : ( مسألة – قال ولا يتوركُ إلا في صلاة فيها تشهدان ، في الأخير منهما) وجملته ، إن جميع جلسات الصلاة لا يتورك فيها إلا في تشهدٍ ثانِ ، وقال الشافعي رحمه الله : يُسن التورك في كل تشهد يسلم فيه ، وإن لم يكن ثانياً ، كتشهد الصبح والجمعة وصلاة التطوع لأنه تشهد يسنُ تطويله ، فسُنَّ فيه التورك كالثاني .
ولنا حديث وائل بن حجر t : " أن النبي r لما جلس للتشهد افترش رجله اليسرى ونصب رجله اليمنى " ولم يفرق بين ما يسلم فيه وما لم يسلم فيه ، ( وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ) رواه مسلم ( من حديث عائشة ) ، وهذا يقضيان على كل تشهد بالافتراش إلا ما خرج منه ، لحديث أبي حميد الساعدي في التشهد الثاني فيبقى فيما عداه على قضية الأصل ، ولأن هذا التشهد ليس بثان ، فلا يتورك فيه كالأولى ، وهذا لأن التشهد الثاني إنما يتورك فيه للفرق بين التشهدين ، وما ليس فيه إلا تشهد واحد لا اشتباه فيه فلا حاجة إلى الفرق وما ذكروه من المعنى إن صح فيضم إليه هذا المعنى الذي ذكرناه ، ونعلل الحكم بهما والحكم إذا علل بعلتين لم يجز تعديه لتعدي أحدهما دون الآخر ، والله أعلم " .
ب- قال الإمام ابن قيم الجوزية في " زاد المعاد في هدي خير العباد r " :
" ولم يذكر عنه r هذا التورك إلا في التشهد الأخير الذي يليه السلام . قال الإمام أحمد ومن وافقه هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهدان ، وهذا التورك فيها جُعل فرقاً جُعل فرقاً بين الجلوس في التشهد الأول الذي يسن تخفيفه ، فيكون الجالس فيه متهيئاً للقيام ، وبين الجلوس الذي الذي يكون الجالس فيه مطمئناً في الجلوس الثاني.
وأيضاً فتكون هيئة الجلوسين فارقة بين التشهدين ، مذكرة للمصلي حاله فيهما .
وأيضاً فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه r في الجلسة التي في التشهد الثاني فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه كان يجلس مفترشاً ، ثم قال : " وإذا جلس في الركعة الأخيرة " ، وفي لفظ " فإذا جلس في الركعة الرابعة " .
وأما قوله في بعض ألفاظه : ( حتى إذا كانت الجلسة التي فيها التسليمُ ، أخرج رجله اليسرى ، وجلس على شقه متوركاً ) ، فهذا قد يحتج به من يرى التورك يشرع في كل تشهد يليه السلام ، فيتورك في الثانية ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، وليس بصريح في الدلالة ، بل سياق الحديث يدل على أن تلك إنما كان في التشهد الذي يليه السلام من الرباعية والثلاثية ، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وقيامه منه ، ثم قال : "حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم ، جلس متوركاً " فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني " .
2- أقوال أصحاب الرأي الثاني:
لم أجد منهم من تكلم طويلاً حول ذلك لكن تكلم بعضهم بكلام قليل فيه فائدة إن شاء الله .
أ) قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار :
" والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد رحمه الله يرده قول أبي حميد في حديثه .. " فإذا جلس في الركعة الأخيرة " وفي وراية لأبي داود " حتى إذا كانت السجدة فيها التسليم" .
وقد اعتذر ابن القيم عن ذلك بما لا طائل تحته. أهـ .
ب) قـال أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي في عون المعبود في شرح حديث أبي حميد (أبو حميد الساعدي الأنصاري : من متأخري الصحابة واختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن بن سعد وقيل بن سعيد وقيل اسمه المنذر بن سعد بن المنذر – يعد في أهل المدينة روى عن النبي r أحاديث روى عنه حفيد ، سعد بن المنذر وجابر بن عبد الله وعمرو بن سليم الزرقي وآخرون توفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد – قاله الواقدي ) . ) : " واستدل به الشافعي أيضاً على أن تشهد الصبح كالتشهد الأخير من غيره لعموم قوله " حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم " أهـ .
ج ) الحكمة من التورك :
تكلم العلماء رحمهم الله على حكمة التورك في التشهد الثاني فمنهم الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح فقال رحمه الله :
" وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما ( أي الجلوس في التشهد الأول والجلوس في التشهد الثاني ) ، أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات .
ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني .
ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به " .
وتكلم عنها عبد الرحمن البنا في الفتح الرباني (4/18 . ) فذكر الحكم الكثيرة لها ولو أننا ذهبنا نستقصي تلك الحكم لأعيانا البحث عنها .
فلا داعي لذلك فالله تعالى أحكم الحاكمين ففي كل شرع يشرعه الله لنا الخير والحكم العظيمة التي ترجع علينا بالنور والهداية .
وكثير ما يسأل الناس عن الحكمة من كذا ولماذا شرع كذا فيذكر العلماء أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن الحكمة بل عن الحكم فالعمل لا للحكمة وإنما للأمر به من قبل الله العلي الكبير .
ولكن معرفة الحكمة والتأمل في ذلك تزيد من ثقة الإنسان بربه المدبر الحكيم ويزداد إيماناً مع إيمانه باسمه الحكيم .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .