حوار - إسلام عبد العزيز , عبد الله الطحاوي ما زلنا نسبر أغوار ما أسميناه "فقه الاحتجاج".. نحاول تأصيله على صعيد الأحكام ومناهج الاستدلال، لفض الاشتباك بين أصحاب الفتاوى المتناقضة، والتي تنطلق في بعض الأحيان من دليل واحد أحدها يحرم والآخر يحلل. ضيف هذا الحوار الفقيه الأصولي د. طه جابر العلواني.. والذي أكد بثقة أن "الاحتجاج أصيل في القرآن.. فالذي أصل للاحتجاج والاعتراض هو الذكر الحكيم: {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]، فعلل إرسال الرسل بقطع فرصة الاعتراض والاحتجاج، وهذا يعني أنه حق أصيل. وراح العلواني يتحدث عن أن التربية النبوية لجيل التلقي قد جعلت من الاحتجاج حقا وجزءا أساسيا من شخصية هذا الجيل، حيث كان تعليم السؤال والاعتراض وأنواعه جزءا من ثقافة المجتمع، فعملية الاعتراض حتى على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت لا تقابل مطلقا بإنكار منه صلى الله عليه وسلم، بل كان يقوم بتهذيبها وتشذيبها. وفرق العلواني بين نوعين من الاحتجاج: الأول: احتجاج العنف والخروج على قيم ما أسماه مفهوم "الأمة"، وهذا ما رفضه العلواني بشدة مستدلا بفعل أبي بكر رضي الله عنه مع المرتدين ومانعي الزكاة، مقررا أن مفهوم الأمة وقيمها كانت واضحة جدا في ذهن الصديق حينما اتخذ قرار الحرب والقمع. والنوع الثاني: بحسب العلواني، هو الاحتجاج المقبول "بل والمطلوب" لمواجهة الفساد والاستبداد، شريطة عدم استخدام العنف. وإلى نص الحوار... * في البداية دعنا نتساءل معكم: هل لما يسمى بالفقه السياسي مناهج استدلالية خاصة، مختلفة عن مناهج الاستدلال والاستنباط المعروفة عند الأصوليين في العمليات الشرعية والإفتائية؟ - يبدو لي أن حديثك لابد أن نؤطره داخل منهجية عامة تبدأ مع الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو خاتم النبيين، وكانت مهمته الأساسية أن يعطي ويقدم هذا التدليل لخاتمية الإسلام في شكلها الأخير النهائي، والخروج بالدين من دائرة الخطاب الحصري الذي يواجه قرية أو قبيلة أو مدينة أو مجموعة بشرية معينة، والدوائر الاصطفائية التي دارت الرسالات حولها إلى الخطاب العالمي الأخير الذي يشمل البشرية في جميع أماكنها وأزمنتها دون استثناء؛ إذ لا نبي بعده، وما كان الله ليعذب الناس حتى يبعث فيهم رسولا. فإذا كانت الرسالة دائما متجددة في شخص خاتم النبيين خاصة في القرآن الذي تركه لنا بعد رحيله إلى ربه، فهو ترك القرآن ليكون نبيا مقيما مستمرا، نحاوره ونسائله، القرآن جاء ليسد هذا المسد ويعطي للرسالة استمراريتها، ويغني عن تتابع النبوات. أما على صعيد النظم السياسية أيا كانت ارتباطاتها الجغرافية والقومية، فمن الصعب جدا أن تقدم نظاما سياسيا على مستوى العالم يتصف بجميع القيم التي يحملها الدين ويحمل تلك القيم بالتساوي، لم يحدث فيما مضى ومن المتعذر أن يحدث فيما بقي من حياة، ربما ليس مستحيلا، ولكنه من الصعب جدا أن يحدث ويوجد. إذا ليس أمامنا في هذه الحالة إلا أن تكون هناك مجموعة من القيم يراعيها النظام السياسي، أي نظام كان، بغض النظر عن القوم الذين يحكمهم، أو النطاق الجغرافي الذي يتحكم فيه. وأنا هنا أتحدث عن قيم مركزية"العدل" و"الأمانة"{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ}[النساء:58]، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة:8]. وفي هذا السياق يبدو أن أولي الأمر بحسبانهم يشار إليهم على أنهم حفظة ذوو مسئوليات معينة عليهم أداؤها في هذه الأطر العامة، وبالتالي يصبح المناط والمدار الأساسي إن تعددت النظم السياسية أو توحدت هو هذه القيم وجودا وعدما. وآيات ظهور الدين الثلاثة في القرآن الكريم سنجده ظهورا وانكشافا قيميا {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة:33] الآيات الثلاث قالت: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} إلى آخره، لكنها في ذات الوقت استخدمت اسم "الدين" ولم تستخدم "الإسلام"، بل ودين مضاف إليه الحق، وتنكير "دين" وإضافته إلى الحق المعرف إشارة إلى أن المهم الحق والهدى، القيم إذن هي محور لقاء البشرية وافتراقها، وعليها مدار الوحدة أو الاختلاف. * ومنزلة القيم من مناهج الاستدلال الفقهية في المسألة السياسية!! - ما زلت داخل إطار المنهجية الكاشفة لهدف الحوار وهو قضية الاحتجاج ومقاربتها مع المسألة السياسية، والآن دعنا نفهم طبيعة دور الرسول وممارساته ومستتبعات النبوة.. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مارس كل ما يمارسه النبي الرسول البشر الذي يتصدى لقيادة أمة: فقضى، وحكم وأفتى، وقاد معارك، ولكن كان هناك تأكيد دائم على أنه حتى تلك الممارسة تنتفي عنها الصفة السياسية، أعني صفة الحكم..
جذور المسألة السياسية
* تقول إن مهام التوجيه والحكم والرئاسة النبوية التي كان يمارسها الرسول لم تكن مهاما سياسية؟ - أحب أن أقول هذا، أو دعنا نفترض فرضية وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم مارس شأنا أَلِفَ الناسُ أن يسموه "سياسة" لا أنفي أبدا تلك الممارسة، لكنه صلى الله عليه وسلم سماه "نبوة"، فأبو سفيان في فتح مكة حينما رأى نيران المسلمين قال للعباس: يا عباس لقد أصبح ملك ابن أخيك واسعا، فقال العباس: إنها النبوة لا الملك يا أبا سفيان. يعني كان هناك خط فاصل في ذهن العباس بين النبوة وبين الملك، فالنبي قد يحكم؛ ولكن هل يحوله ذلك إلى ملك أو خليفة أو حاكم سياسي..؟ الإجابة: لا.
* إذن فضيلتكم ترى من الخطأ أن نتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه زعيما سياسيا؟؟ - هذه إهانة له صلى الله عليه وسلم، أن أصفه أنه كان زعيما سياسيا.. بل هو صلى الله عليه وسلم نبي ورسول بشر.. لم يوصف في القرآن بغير هذا، فالنبوة تشتمل على عدة أمور، جزء يستهدف إصلاح الناس، وبعض الممارسات التي يسميها الناس سياسة. لذلك إن صحت الروايات حول سقيفة بني ساعدة والنقاش الذي دار فيها، فثمة حيرة كانت بين كبار الصحابة تجاه المشهد الجديد، فقد عايش هؤلاء النفر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العهدين المكي والمدني، وهم الآن معنيون بمناقشة قضية نظام الجماعة بعد وفاة الرسول، فأبو بكر رضي الله عنه طبقا للروايات يقول: "إن الناس لن تسمع إلا لهذا الحي من قريش" مع أن قريشا استمرت تحارب الرسول حتى الفتح، وكانت هي المسئولة عن عرقلة سير الدعوة، هل بدا الأمر عودة إلى العصبية وتخصيص "الأئمة من قريش" طبقًا لحديث مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويشوبه ضعف. * لكن دعنا نذكر بأن ابن خلدون مثلا قدم دعما اجتماعيا للرواية باعتبار أن القرشية هي دلالة العصبية الداعمة للنظام السياسي، وطور فقهاء الدولة المعاصرين العصبية الداعمة لتصبح القرشية هي الشرعية التفويضية أو الشورى بآليات الديمقراطية!! - النبوة لا تحتاج إلى عصبية قبلية وقد حاربت القبلية، النبوة تحتاج إلى عصبية عقدية أو ربما أيديولوجية، ولكن ليست قبلية منافية للمعنى الذي جاء يؤسس لسواه. وطبقا للمنقول -إن صح- عندما يقول الأنصار: "منكم الأمراء ومنا الوزراء"، سنجد أن هذا خلافا للتربية النبوية، خصوصا الحديث الذي دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين عمه العباس رضي الله عنه الذي يسأله الإمارة حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا عباس يا عم محمد إنك لرجل ضعيف، إنها لإمارة، لكنها ندامة يوم القيامة.." فلا يستقيم إذن أن يدخل الصحابة أو جيل التلقي الذي ربي بتلك الطريقة في حوارات مثل هذه.. ودعني أنقل الحوار إلى ملاحظة أخرى، ودالة في المسألة السياسية هي ضرورة فهم مقصد النبي الذي جاء لبناء أمة وليس لبناء دولة، ففي كل القرآن الكريم والأحاديث ليس هناك شيء اسمه دولة أو حكومة إنما دائما التركيز على أمة؛ لأن الأمة هي التي تفرز نظامها محوطا بالقيم، بحسبانها مستودع القيم المسئولة عنها، وأنها كذلك المسئولة عن النظام الذي يقوم على هذه القيم، وسمه ما شئت مملكة سلطنة خلافة.. أي شيء.. المهم: القيم والأمة كدعامتين أساسيتين. ثاني هذه الملاحظات وهي تساؤلية: لماذا لم يصمد النظام السياسي الراشدي بعد الشيخين أبي بكر وعمر وست سنوات من خلافة عثمان، ثم تقريبا ينهار النظام السياسي، وبقي الإسلام يقوم على النظام القضائي وحده، وليس كل المنظومة السياسية..؟! لو فكرنا مليا سنقف على جذر أزمة المسألة السياسية، وأعتقد أن هذا يفسر كثيرا من مشكلات الفقه في المجال السياسي، فالمسألة السياسية وغموضها والمشاكل التي أحاطت بها كانت من البداية تنبئ عن بوادر أزمة.
* ولكن لماذا لا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكما سياسيا حكم المدينة بالخبرة الإدارية التي تكونت لديه من تجربة الحكم المشيخي القبلي، خبرة جده قصي بن كلاب مثلا ودار الندوة وحلف الفضول؟؟ - هو جاء بخبرة مختلفة وقيم مختلفة.. حينما ينص القرآن {وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى} [الضحى:7]، فهذا وصف لا يمكن أن يوصف به إنسان مؤهل للقيادة بمقاييس الإسلام، بمقاييس أجداده كان لديهم من التجربة والخبرة في النظام القبلي الجاهلي ما يؤهلهم ليكونوا سادة العرب، أما هو عليه الصلاة والسلام لما عرضت عليه السيادة الانتخابية بمفهومها الكامل رفضها قائلا: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري..." إلى آخره، قضية النبوة مختلفة تمام الاختلاف عن قضية الحكم بمعنى الحكومة، وهنا صلب الالتباس في المسألة السياسية. فرق كبير بين أن تقيم أمة لتفرز أنظمتها بما يناسبها، وبسبب هذا الفرز المتواصل اتسع الواقع التاريخي للأمة المسلمة، اتسع للسلطنة والخلافة والإمارة والمملكة وكل أنواع الحكم الموجودة على وجه الأرض، وكلها ممارسات قدمتها الأمة ممزوجة بقيمها وهذا هو المعيار، وليس بتعيين شكل محدد للدولة.
الصحابة والاحتجاج
* فضيلة الدكتور.. شرحت جذر المسألة السياسية ومتعلقاتها، ودمجت بين النبوة ومستتبعاتها التوجيهية الرعوية التي هي من قوام وتمام التبليغ، ونفيت تماما الوجهات الحاكمية السلطانية للنبي صلى الله عليه وسلم.. فهل من المنطقي أن نتساءل كيف كان يمارس الصحابة فقه الاعتراض أو السؤال.. بمعنى.. هل كانت تتحرك أدبيات الاعتراض في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلافة داخل فقه معين تعلمه الصحابة من خلال الحوادث التاريخية؟ - الاحتجاج أصيل في القرآن.. فالذي أصل للاحتجاج والاعتراض هو الذكر الحكيم {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]، فعلل إرسال الرسل بقطع فرصة الاعتراض والاحتجاج، وهذا يعني أنه حق أصيل {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء:15] لماذا؟؟ لا يريد ربنا أن يترك فرصة لأحد يقول ما أنذرتني أو ما أعلمتني بكذا وأخذتني على غرة. هذا التأصيل جعل سيدة مثل امرأة عمر بن الخطاب بحسب الروايات عندما اعترضت عليه في شيء أن يقول: وهل أنت إلا مثل حصيرة في قعر البيت إن شئنا فرشناك وإن استغنينا ألقيناك؟. فتقول له: ولما تأنف من مجادلتي وابنتك تجادل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والوحي ينزل عليه من فوق سبع سماوات.. تجادله في حقها وهو الاعتراض عليه، الممنوح لابنته حفصة التي تعارض من هو أعلى منه مقاما وعصمة، إنها تحيله إلى مثل{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}[المجادلة:1] –جدل لا حوار- {وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ}إذن أنت حقك الجدل{وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا}. إذن نحن نتكلم عن حق هو جزء أساسي من تربية جيل التلقي، حيث كان تعليم السؤال والاعتراض وأنواعه؛ لأن الرسالة في بيئة تنتشر فيها الأمية وعدم القراءة والكتابة لها معنيان: أولهما:من لم يأتهم نبي من قبل. وثانيها:أمية بمعنى عدم القراءة والكتابة، ففي هذه البيئة السؤال يصبح وسيلة التعلم، إذ السؤال بأنواعه الاعتراضي والاستفهامي والتقريري كله يكون جزءا من ثقافة المجتمع، فعملية الاعتراض حتى على الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه واحد، وقال له اعدل فوالله ما عدلت، وبغض النظر عن نهاية الحديث ففيه جرأة أن يعترض واحد من الأفراد على الرمز الأعلى في الدولة، مع الأخذ في الاعتبار أيضا علمهم بأنه معصوم.. وفي نفس الإطار حينما تأتيه امرأة وترتجف أمامه من هيبته، يقول لها هوني عليك.. أنا لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة، إذن مسألة السلطة و"الهيلمان" والملك منفية، ولكن هي ممارسات تستلزمها قضية القيادة النبوية. * تريد أن تقول إن الاعتراض والسؤال من مستلزمات النبوة والتوجيه لا الملك والسلطة؟!! - بالضبط.. فعلمهم هذا وعلمهم آداب السؤال، "ذروني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم"، والإكثار المقصود هو {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101]، وليس كثرة السؤال الاعتراضي. ولذلك سمع لشورى يوم أحد، وخرج عليه الصلاة والسلام وهو كاره لكن نزل على الرأي.. إذن فكرة السؤال والاعتراض أصَّلَهَا القرآن ومارسها النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الممارسة، والشيخان، وست سنوات من خلافة عثمان. هذه الثقافة كانت ما تزال سائدة، وكانت هي الوسيلة لتنفيس الاحتقانات، حيث لم تكن هناك وسائل مثل الوسائل المتاحة الآن في الديمقراطيات الغربية، لامتصاص الطاقات المستجدة في المجتمع المدني المكون من تكوينات عمالية وفلاحين ونقابات واتحادات... إلى آخره، فكانت الوسيلة الأساسية هي الشورى وحق الاعتراض والسؤال، وهي ثقافة غرسها الإسلام غرسا بدءا من القرآن الكريم والسلوك النبوي، وكلما كان الإنسان أقرب للتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم كان أقرب لقبول السؤال والاعتراض.
منظومة الجماعة
* الفقه السياسي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بالفتاوى السياسية ومآلها كيف سارت وتحركت؟ - بداية لي تحفظ، وهو مهم في إطار متعلقات الفقه السياسي، وذلك على الحديث الذي يقول "أمرت أن أقاتل الناس" وهو فيه مطاعن كثيرة برغم وجوده في الصحيحين وقد روي عبر 34 طريقا لكن معظمها فيها نظر، وأنا بصدد دراسة جارية خاصة به. لكن دعنا نسأل: متى بدأت الإشكالية وتنبه أفراد المجتمع إلى وجود مشكلة في الاعتراض والاحتجاج؟ سيدنا أبو بكر رضي الله في موضوع ما سمي بحرب المرتدين، خليفة المسلمين وحده، لكنه رجل حكيم مسن ذو خبرة، وقف أمام المقصد الأعلى للرسالة وهي قضية الأمة ويقول في ذلك "لو منعوني عقالا كانوا يؤدنه لرسول الله لقاتلتهم عليه"؛ لأنه عدم دفع الضريبة، هذا احتجاج عنف، احتجاج فرقة. * وخروج على النظام العام!! - نعم.. هذا النوع من الاحتجاج مرفوض؛ لأنه يؤدي إلى تفكك الجماعة والمطلوب ألا تتفكك، هدف أبو بكر واضح من تحديد "الخروج" وهو الانسلاخ عن منظومة الأمة، وتدبر الحوار الذي دار بينه وبين هؤلاء، فهو مهم ومؤسس، فحجتهم قائمة على أداء المكتوبات من الصلوات، لكن الزكاة كنا -بقولهم- ندفعها لأن النبي يصلي علينا وصلاته سكن لنا، فما بال ابن أبي قحافة، هل هو في مقام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تكون صلاته سكن لنا؟ محض كلامهم بتأكيد الفروقية بين خاصية النبي صلى الله عليه وسلم وما يخص الخليفة، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. لماذا يقاتل أبوبكر؟ لأنها قيم الأمة، وأي استهانة بأي واحدة منها تفككت الأمة وتبددت المنظومة وذهب ريحها، فتمسك غاية التمسك بقيم الجماعة المؤسسة حتى استحر القتل بحفظة القرآن، مما دعاهم بسرعة جمع القرآن حسب الروايات -خوفا من ضياعه والله تكفل بعدم الضياع- حيث كاد يضحى بقراء القرآن في معركتين كبيرتين ضد مدعي النبوة ومنكري الزكاة، والهدف حفظ الجماعة، وفهم أبي بكر متواصل مع حديث الرسول: "إذا افترق القرآن والسلطان لا تفارقوا القرآن" بوصفه المجسد الأعلى لحقيقة وقوة الجماعة، أما السلطان فدول. * إذن دعنا نقرر مع فضيلتكم أن التجربة النبوية والراشدية تثبت أن الاحتجاج والاعتراض المسموح به، والذي عرفه الصحابة والشيخان هو الذي لا يكون على حساب منظومة الجماعة.. أليس كذلك؟ - بلى.. ودعني أؤكد أيضا على أنه لا يجوز الاحتجاج إذا بلغ مستوى العنف أو التفريق للأمة، وهنا يأتي حديث آخر يصبح أصلا في هذا الموضوع، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر حسب الراويات وهو موجود بالكتب الصحاح:" كيف بك يا أبا ذر إذا حدث كذا، وكذا قال: أو كائن يا رسول الله؟ فيقول: وأشد من ذلك سيكون، ثم وصل معه إلى أن قال له: كيف بك إذا افتتن الناس وغرقت حجارة هذا البيت بالدم، قال: سأحمل سيفي وأقاتل، قال: لا.. إذن كنت أنت مثلهم، ولكن الزم دارك، قال: فإن دخل علي داري؟ قال إن رابك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك ودعه يبوء بإثمك وإثمه..". هذا الحديث خطير؛ لأن معناه أن ليس هناك أي إذن باستخدام عنف داخل الأمة، ليس لك إلا الحوار ثم الحوار ثم الحوار ثم الأمر بالمعروف؛ لذلك اعتبروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سادس الأركان الخمسة للإسلام؛ لأنه وسيلتك، يجب أن تكون القنوات دائما مفتوحة للحوار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعنى الواسع. ولذلك ففي تاريخ العرب عبر العصور هناك العالم الذي يعظ السلطان، وذلك جزء من أدبنا السياسي ومعارفنا السياسية التي جاءت في كتب منثورة، كنصائح للسلطان وحوار وتوصيات معه وله.. كان الفقيه يمثل مجلس أمة أو مجلس الشعب الذي يقف بين الأمة والحاكم، وفق ضوابط قرآنية يفهمها أهل الذكر وأولو الأمر، والاعتراض درجات.. لذلك برزت في بعض العصور صيغة أهل الحل والعقد، وأولوا الأمر، أهل السيف والقلم؛ لذلك فقهاؤنا عبر العصور يشترطون في من يرشح للخلافة والإمامة أن يكون مجتهدا.